ماهو العرفان الجزْ الثاني
كتبهاابن يونس ، في 9 أيار 2006 الساعة: 18:00 م
حقيقة العرفان
تعريف العرفان:
جذر كلمة الـ"عرفان" وتعريفها:
عَرَفَ عَرَفْتُهُ مَعْرِفَةً وعِرْفاناً (1)..قولهم: ما أعرِفُ لأحدٍ يصرعني، أي ما أعترفُ.. والمَعْروفُ: ضدّ المنكر.. والعُرْفُ أيضاً: الاسمُ من الاعتراف، ومنه قولهم: له عليَّ ألفٌ عُرْفاً، أي اعترافاً، وهو توكيد.
واعْرَوْرَفَ البحرُ، أي ارتفعت أمواجه.. والعِرْفُ بالكسر، من قولهم: ما عَرَفَ عِرْفي إلا بآخَرَةٍ، أي ما عرفَني إلا أخيراً.
وكذلك العُرْفَةُ، والجمع عُرَفٌ وأعْرافٌ ويقال الأعرافُ الذي في القرآن: سورٌ بين الجنة والنار.. والعارِفُ: الصبورُ. يقال: أصيب فلان فَوُجِدَ عارِفاً, والعَروفُ مثله. قال عنترة:
فصَبَرْتُ عارِفَةً لذلك حُرَّةً ترْسو إذا نَفْسُ الجبان تَطَلَّعُ
يقول: حبستُ نَفساً عارِفَة، أي صابرةً.. والعارفَةُ أيضاً: المعروفُ. ورجلٌ عَروفَةٌ بالأمور، أي عارفٌ بها؛ والهاء للمبالغة.. والعريفُ والعارِفُ بمعنىً، مثل عليمٍ وعالمٍ. وأنشد الأخفش:
أوَ كُلما وَرَدَتْ عُكاظَ قبيلة بعثوا إليَّ عَريفَهُمْ يَتَوَسَّمُ
أي عارِفَهُمْ.. والعَريفُ: النقيبُ، وهو دون الرئيس، والجمع: عُرَفاءُ, تقول منه عَرُفَ فلانٌ بالضم عَرافَةً، مثل خُطب خَطابَةً، أي صار عريفاً، وإذا أردت أنه عمل ذلك قلت: عَرَف فلان علينا سنين يَعرُفُ عِرافَةً.. والتَعْريفُ: الإعلامُ ، والتَعْريف أيضاً: التطييب, من العَرْفِ.. وقوله تعالى: "عَرّفَها لهم" أي طَيَّبَها. والعَرَّافُ: الكاهنُ والطبيبُ. قال الشاعر:
فقلت لعَرَّافِ اليَمامةِ داوني فإنك إن أبْرَأْتَني لَطبـيبُ
وربَّما وضعوا اعْتَرَفَ موضعَ عَرَفَ، كما وضعوا عَرَفَ موضع اعْتَرَفَ. قال أبو ذؤيب يصف سحاباً:
مَرَتْهُ النُعامى فلـم يَعْـتَـرِفْ خِلافَ النُعامى من الشأم ريحا
أي لم يَعرِف غير الجنوب؛ لأنَّها أبَلُّ الرياحِ وأرطَبُها.
وعَرَفَ 2 [عِرْفَةً وعِرفاناً ومَعْرِفَةً] الشيء: علمه. ـ بذنبه: أقرَّ. ـ هُ: جازه. ـ للأمر: صبر..[عَرَفَ ـ عَرَافَةٌ] على القوم: دبَّرَ أمرهم وقامَ بسياستهم..[ ـَ عرْفاً وعَرَافَةٌ] أكثر من الطيب. طاب ريحُهُ.. [عَرَّفَ] الشيء: طيَّبهُ. ـ هُ الأمر: أعلمهُ إيَّاه.. ـ الضالَّة: نشدها وطلبها.. ـ الطعام: أكثر أدَمَهُ.. ـ الاسم: ضدَّ نكَّرهُ.. [ـ وأعْرَفه] فلاناً: وقَّفهُ على ذنبهِ ثم عفا عنهُ.. ـ بفلانٍ: صار معروفا عنده. ـ به: دلَّ عليه. واستَعرفَ إلى فلان: انتسب له ليعرفه. والعرفان: مص المعروف: ضد المنكر.
ومن هذه التعاريف نفهم عدة فهوم لمعنى العرفان منها: (الاعتراف والإقرار, الطلب والإنشاده, البيّن والواضح, العلو والسمو المتغير الأحوال, العلم المتكثر, الفصل والفرقان, الصبر والمصابرة, الدراية والإطلاع, النقابة والوزارة أو مادون الرئاسة, الدلالة والإعلام, التطبيب والمعالجة, الريح اللطيفة الطيبة, التدبير والسياسة, الكثرة والإدامة, الانتساب للمعرَّف) ومثل هذه الصفات لو صيغت صياغة إلهية تصيرها من صفات النفس الإنسانية لكانت من فضائل الصفات وأحسنها, ولكان الفرد المتصف بها متصفاً بأفضل المحاسن وأقومها {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (1)
والعرفان في الاصطلاح: ما استقر في النفوس من جهة شهادات العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول. وهو: علم من العلوم الإلهية وموضوعه معرفة الحق وأسمائه وصفاته.
العرفان هو (3): طريق معرفة النفس التي أرشد إليه الكتاب والسنة، وهو "الطريق الذي لابد لسالكه أن ينسى كل شيء سوى الله تعالى… الطريق الرئيس الذي ينتهي به إلى الهداية الواقعية والكاملة". وطريق العرفان هو الذي يسلك بالمؤمن إلى العالم العلوي وتقر في قلبه عظمة الله وجلاله… وفي الحقيقة أن هذه الجاذبية الباطنية هي التي قد أوجدت في عالم الإنسان سبيل عبادة الله تعالى".
والعرفان هو أعلى درجة معرفية ومكانة اجتماعية لذا فهو علم شريف لأنه علم إلهي يختص به الإنسان الكامل وهو علم جامع لسلسلة الوجود وبه تتم دائرة العلاقة بين الخلق و"الحق" (الله) في ارتباط توحيدي يجمع "العشق والعاشق والمعشوق"، والذي يختص بهذا العلم يسمى عارفاً وجمعُه عرفاء، وبما أن لكل علم أهله فالعرفاء هم أهل العرفان، ذوي القلوب المبصرة الذين نهلوا من معين القرآن الكريم وروّوا عطشهم بزمزم المعرفة".
تعريف العارف:
العارف هو: المتصرف بفكره إلى قدس الجبروت، مستديماً لشروق نور الحق في سره.
إن العارف تتعلق إرادته بالحق لذات الحق، ولا يؤثر شيئاً على عرفانه، إلاّ الحق، إذ الحق مؤثر على عرفان العارف، وذلك لأن غير العارف يؤثر شيئاً غير الحق وهو نيل الثواب والنجاة من العقاب. أما العارف فلا يتعلق إلا بالحق وحده دون أي هدف آخر.
وزهد غير العارف زهد على كره، فعلى الرغم من أنه في صورة الزاهد إلا أنه أحرص الخلق على اللذات الحسية، فإن التارك شيئاً ليستأجل أضعافه أقرب إلى الطمع منه إلى القناعة". كما قال الطوسي في شرحه "أما العارف وهو (المستبصر بهداية القدس في شجون الإيثار، فقد عرف اللذة الحق، وولّى وجهه سمتها) وكما قال ابن سينا: "وأولى درجات حركات العارفين: الإرادة، وهي " ما يعتري المستبصر باليقين البرهاني، أو الساكن النفسي إلى العقد الإيماني _ من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى، فيتحرك سيره إلى القدس، ينال من روح الاتصال، وما دامت درجته هذه، فهو مريد".
"ثم انه ليغيب عن نفسه فيلحظ جناب القدس فقط" أي لا يرى ما سوى الله، وهنا تتم الغيبة عن النفس. "وإن لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظة، لا من حيث هي بزينتها. وهناك يحق الوصول". _أي أن ملاحظته لنفسه بالمجاز، لا بالحقيقة، لأنه متوجه بكليته إلى الحق.
إن العرفان، مبتدئ من تفريق، ونقض، وترك ورفض. أما التفريق فمن ذات العارف وما عسى أن يشغله عن الحق، أما النقض فاطرّاح الشواغل، أما الترك فالتخلص من الشواغل ابتغاء توخي الكمال لأجل ذاته، وأما الرفض فهو أن يرفض ذاته بالكلية.
وتلك درجات التزكية.
ويتلوها بدرجات التحلية. "وبيان درجاتها بالإجمال _كما يشرح الطوسي _ أن العارف إذا انقطع عن نفسه، واتصل بالحق، رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات، وكل علم مستغرقاً في علمه الذي لا يعزّ عنه شيء من الموجودات، وكل إرادة مستغرقة في إرادته التي يمتنع أن يتأبى عليها شيء من الممكنات: بل كل وجود، وكل كمال وجود فهو صادر عنه، فائض من لدنه _صار الحق حينئذ بصره الذي يبصر، وسمعه الذي به يسمع، وقدرته التي بها يفعل، وعلمه الذي به يعلم، ووجوده الذي به يوجد. فصار العارف حينئذ متخلقاً بأخلاق الله تعالى بالحقيقة.
فالعارف لا يعنيه التجسس والتحسّس، ولا يستهويه الغضب عند مشاهدة المنكر، كما تعتريه الرحمة: فإنه مستبصر بسرّ الله في القدر.
وإذا أمر بالمعروف، أمر برفق ناصح، لا بعنف مغّير. وإذا جمّ (= عظّم) المعروف، فربما غار عليه من غير أهله.
العارف شجاع (1)، وكيف لا وهو بمعزل عن تقيّة الموت؟! وجواد، وكيف لا، وهو بمعزل عن محبة الباطل؟! وصفّاح للذنوب، وكيف لا، ونفسه أكبر من أن تجرحها ذات بشر؟! ونسّاء للأحقاد، وكيف لا، وذكره مشغول بالحق؟!
وقيل لأحدهم: متى يكون العارف بمشهد الحق ؟ قال : إذا بدا الشاهد ، وفني الشواهد ، وذهب الحواس ، واضمحل الإخلاص .
معنى بدا الشاهد : يعني شاهد الحق ، وهو أفعاله بك مما سبق منه إليك من بره لك ، وإكرامه إياك بمعرفته ، وتوحيده ، والإيمان به ، تفنى رؤية ذلك منك رؤية أفعالك وبرك وطاعتك ، فترى كثير ما منك مستغرقاً في قليل ما منه ، وإن كان ما منه ليس بقليل ، وما منك ليس بكثير . وفناء الشواهد: بسقوط رؤية الخلق عنك ، بمعنى الضر والنفع والذم والمدح . وذهاب الحواس هو معنى قوله : (كنا إذن سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به…الحديث) . ومعنى اضمحل الإخلاص : أن لا يراك مخلصاً ، وما خلص من أفعالك خلص ، ولن يخلص أبداً إذا رأيت صفتك ، فإن أوصافك معلولة مثلك .
سئل بعضهم عن نهاية العارف فقال : إذا كان كما كان حيث كان قبل أن يكون معناه. أن يشاهد الله وأفعاله دون شاهده وأفعاله .
قال بعضهم : أعرف الخلق بالله أشدهم تحيراً فيه .
قيل لذي النون : ما أول درجة يرقاها العارف ؟ فقال : التحير ، ثم الافتقار ، ثم الاتصال، ثم التحير .
الحيرة الأولى في أفعاله به ونعمه عنده ، فلا يرى شكره يوازي نعمه ، وهو يعلم أنه مطالب بشكرها ، وإن شكر كان شكره نعمة يجب عليه شكرها ، ولا يرى أفعاله أهلاً أن يقابله بها استحقاراً لها ، ويراها واجبة عليه ، لا يجوز له التخلف عنها .
وقيل قام الشبلي يوماً يصلي فبقى طويلاً ثم صلى فلما انفتل عن صلاته قال : يا ويلاه إن صليت جحدت ، وإن لم أصل كفرت .
أي جحدت عظم النعمة وكمال الفضل حيث قابلت ذلك بفعلي شكراً له مع حقارته . ثم أنشد :
الحمد لله على أنني كضفدع يسكن في اليم
إن هي فاهت ملأت فمها أو سكتت ماتت من الغم
والحيرة الأخيرة : أن يتحير في متاهات التوحيد ، فيضل فهمه ويخنس عقله في عظم قدرة الله تعالى وهيبته وجلاله . وقد قيل : دون التوحيد متاهات تضل فيها الأفكار, وقال رسول الله (ص): (اللهم زدني حيرة).
سأل أبو السوداء -بعض الكبار فقال- : هل للعارف وقت ؟ قال : لا . فقال : لم ؟ قال: لأن الوقت فرجة تنفس عن الكربة ، والمعرفة أمواج تغط ، وترفع وتحط ، فالعارف وقته أسود مظلم . ثم قال :
شرط المعارف محو الكل منك إذا بدا المريد بلحظ غير مطلع
قال أحدهم: العارف من كان علمه حالة ، وكانت حركاته غلبة عليه .
سئل الجنيد عن العارف فقال : لون الماء لون الإناء . يعني أنه يكون في كل حال بما هو أولى فتختلف أحواله ، ولذلك قيل : هو ابن وقته .
سئل ذو النون عن العارف فقال : كان هاهنا فذهب . يعني أنك لا تراه في وقتين بحالة واحدة ، لأن مصرفه غيره . وأنشدونا لابن عطاء :
ولو نطقت في السن الدهر خبرت بأني في ثوب الصبابة أرفل
وما أن لها علم بقدري وموضعي وما ذاك موهوم لأني أنقل
وقال سهل بن عبد الله : أول مقام في المعرفة أن يعطى العبد يقيناً في سره تسكن به جوارحه، وتوكلاً في جوارحه يسلم به في دنياه، وحياة في قلبه يفوز بها في عقباه .
قلنا : العارف هو الذي بذل مجهوده فيما لله ، وتحقق معرفته بما من الله ، وصح رجوعه من الأشياء إلى الله . قال الله تعالى : تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} (المائدة: من الآية83).
الأسفار:
لا يسعنا هنا ذكر تفاصيل الأسفار ولكن نقول بصيغة مختصرة: لما كانت حقيقة الإنسان جامعة للباطن والظاهر, فهو واقع في ثلاث مناشئ وثلاث عوالم: نشأة ظاهرية ملكية ناسوتية دنيوية هي بدنه والمتصرف فيها النفس، ونشأة باطنية غيبية ملكوتية تكون من عالم آخر المتصرف فيها القلب،ونشأة واقعية ملكية ملكوتية وهي قيوميته بمقام الواحدية المثلية (عبدي أطعني تكن مثلي…) المتصرف فيها الإرادة (الروح). كان سفره إلى الحق سفر 1 واحد (من الحق إلى الحق بالحق) وهو مقام الفناء بالحق وتصب فيه ثلاث أسفار 2 هي:
السفر الأول: من الخلق إلى الحق بالحق, وهو مقام السالكين.
السفر الثاني: من الحق إلى الخلق بالحق, وهو مقام العارفين.
السفر الثالث: من الخلق إلى الخلق بالحق, وهو مقام الأنبياء الأولياء والصديقين.
1 . مختار الصحاح..مادة (عرف).
2 . المنجد.
(1) التين: 4.
(3) تفسير الميزان..للطباطبائي.
(1) موسوعة الحضارة.
1 السفر هو: هو مفهوم اعتباري يشتمل على لمجموعة من الأفعال والأحوال والمقامات.
2 يعد هذا السفر (من الحق إلى الحق بالحق) في تعداد أهل المعرفة في السفر الثاني.. (الأول من الخلق للحق والثاني من الحق للحق والثالث من الخلق للحق والرابع من الخلق للخلق). وهو تعداد صحيح في طريق السير والسلوك, نحن إنما رتبناه بالصورة التي رأيتها للتوضيح والبيان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























