الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق

كتبها ابن يونس ، في 9 أيار 2006 الساعة: 18:22 م

طرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق:

أن النظر في الكون من الذرة إلى المجرة كلها تقود الإنسان إلى الله تعالى, فإذا نظرنا إلى الكون بنظرة واسعة و أخذنا مع تلك المعرفة معرفة أخرى لوصلنا في ظل ذلك، إلى عالم أفسح ملي بالقدرة و العلم و الكمال و الجمال. و على ذلك فكل المظاهر الطبيعية مع ما فيها من الجمال و الروعة و مع ما فيها من النُظم و السُنن آيات وجود بارئها و مكونها و منشئها، و عند ذلك يتجلى معنى هذا القول من أنَّ الطرق إلى معرفة الله بعدد الظواهر الطبيعية بدءاً بالذرة و انتهاء إلى المجرة. و لأجل ذلك نرى أنَّ رجال الوحي و دعاة التوحيد يركّزون في معرفته سبحانه على الدعوة إلى النظر في جمال الطبيعة و روعتها فإِنها أَصدق شاهد على أَنَّ لها صانعاً و مبدعاً، و هذا مشهود لمن طالع القرآن و تدبّر في آياته. ).

وأقصر هذه الطرق طريقان هما:

الطريق الأول: النظر في الآثار قال الإمام علي عليه السلام حين سئل عن إثبات الصانع فقال : ( البعرة تدل على البعير والروثة تدل على الحمير ، وآثار القدم تدل على المسير ، فهيكل علوي بهذه اللطافة ، ومركز سفلي بهذه الكثافة ، كيف لا يدلان على اللطيف الخبير ؟ ! )[1]. وفي دعاء عرفة للإمام الحسين (ع): (الهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليك منها كما دخل إليك منها..).

 وعلى‌ العموم‌، فهذا النوع‌ من‌ معرفة‌ الله‌، الذي‌ هو عبارة‌ عن‌ اقتفاء الأثر للوصول‌ إلی‌ المؤثّر، وبحث‌ سرّ الخلق‌ للوصول‌ إلی‌ الخالق‌ هي‌ معرفة‌ إجمالية‌ وليست‌ مفصّلة‌. معرفة‌ عن‌ بعد ومن‌ وراء حجاب‌، وليست‌ عن‌ قرب‌ وبدون‌ حجاب‌، وهي‌ معرفة‌ الضعفاء والعاجزين‌ لا معرفة‌ الرجال‌ قويّي‌ الإرادة‌ وعالي الهمة‌.

 هذه‌ المعرفة‌، معرفة‌ البعرة‌ التي‌ تدلّ علی‌ البعير، والروثة‌ تدلّ علی‌ الحمير. أين‌ هذا من‌ المعرفة‌ بعد مجاهدة‌ طويلة‌ وعذاب‌ مرير طوال‌ عمر مديد؟

 وكذلك‌ روي‌ عن‌ (جامع‌ الاخبار):  (سُئِلَ أَمِيرُ المُوْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَهِ عَلَيْهِ: مَا الدَّلِيلُ علی‌ إثْبَاتِ الصَّانِعِ؟!  قَالَ: ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ: تَحْوِيلُ الحَالِ، وَضَعْفُ الاَرْكَانِ، وَنَقْضُ الهِمَّةِ).

 وفي‌ (التوحيد) للصدوق‌ …عن‌ هشام‌ بن‌ سالم‌ قال‌: (سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقِيلَ لَهُ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟!  قَالَ: بِفَسْخِ العَزْمِ وَنَقْضِ الهَمِّ؛ عَزَمْتُ فَفَسَخَ عَزْمِي‌ وَهَمَمْتُ فَنَقَضَ هَمِّي). ‌ 

 ومثل‌ هذه‌ المعرفة‌، وهي‌ التي‌ يطلق‌ عليها في‌ المنطق‌ البرهان‌ (الإنّي‌ّ)؛ معرفة‌ من‌ المعلول‌ إلی‌ العلّة‌، من‌ المخلوق‌ إلی‌ الخالق‌، ومن‌ المصنوع‌ إلی‌ الصانع‌.

 سُئِلَتْ عجوز: كيف‌ عرفتِ الله‌؟ أجابت‌: من‌ آلة‌ النسيج‌ هذه‌، فعندما أمسك‌ مقبضها وأدوّره‌ بهذا الدوران‌ ينسج‌ الحبل‌، وحيث‌ أرفعُ يدي‌ وأتوقف‌ عن‌ التدوير تتوقّف‌ ويبقي‌ الصوف‌ والقطن‌ علی‌ حاله‌، عندها لا نسيج‌ ينسج‌، ولا ليف‌ يبرم‌.

 من‌ هنا أيقنت‌ أنّ للأفلاك والنجوم‌ والكواكب‌ السيّارة‌ والشمس‌ والقمر والأرض ونظام‌ الخلق‌ بأجمعه‌ خالقاً مقتدراً، متي‌ شاء عطّل‌ الوجود ورماه‌ في‌ هوّة‌ العدم‌. وإن‌ شاء أمدّه‌ بأسباب‌ الحياة‌ وأدار عجلة‌ استمراره‌.

 ولهذا قيل‌: (وَعَلَيْكُمْ بِدِينِ العَجِائِزِ)  ولكن‌ مهما يكن‌ من‌ أمر، عليك‌ أن‌ لا تنسي‌ بأنّك‌ تملك‌ إرادة‌، فإذا اقتصرت‌ علی‌ دين‌ العجائز كان‌ مصيرك‌ الحزن‌ والندامة‌ في‌ الحياة‌ الدنيا، والحسرة‌ والخذلان‌ في‌ الآخرة‌.

الطريق الثاني: معرفة النفس, قال رسول الله (ص) : (من عرف نفسه فقد عرف ربه) وقال الإمام علي  (ع): (أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه), وهذا الطريق هو طريق أهل البيت عليهم السلام, وهو أقصر الطرق وأتمها .

وبدون هذين الطريقين لا تكون هناك معرفة ولا عرفان, ولا يمكن تحصل الكمال بغيرهما, ولا يمكن الاقتصار على واحد منهما. والأول هو ما يسمى بـ(العرفان العلمي أو النظري) والثاني هو (العرفان العملي أو السلوك).

وذلك لأن الإنسان –كما ذكرنا- كائن عجيب مكون من ظاهر وباطن وحقيقة ، وبهذا الاعتبار له ثلاث نشئات وثلاث عوالم: نشأة ظاهرية ملكية ناسوتية دنيوية هي بدنه، ونشأة باطنية غيبية ملكوتية تكون من عالم آخر،ونشأة واقعية ملكية ملكوتية وهي قيوميته بمقام الواحدية المثلية (عبدي أطعني تكن مثلي…) .

عندما يلجأ إلى الفكر والبرهان في طلب الحق سبحانه وسيره إلى الله, يكون سيره عقلياً وعلمياً, ولا يكون من نوع سير أهل السلوك وأرباب العرفان, لأنه قد سقط في الحجاب الأكبر والأعظم, من دون فرق بين أن ينظر إلى الأشياء من ماهياتها, والتي تعتبر الحجب الظلمانية, ويبحث عن الحق المتعالي من خلالها أو ينظر إلى الأشياء من خلال وجوداتها التي تكون حجباً نورانية .

إن الشرط الأول في السير إلى الله, هو الخروج من البيت المظلم للنفس والذات والأنانية. فكما أن الإنسان في السفر الخارجي العيني المحسوس, لا يكون مسافراً ما دام هو في مكانه وبيته رغم تخيّله السفر وتحدثه عن كونه مسافراً, بل لا بد من ترك المكان ومغادرة البيت حتى يقال أنه مسافر, وكما أن السفر الشرعي لا يتحقق إلا بعد مغادرة البلد واختفاء آثاره, فكذلك لا يتحقق هذا السفر العرفاني إلى الله, والهجرة الشهودية إلا بعد التخلي عن البيت المظلم للنفس واختفاء آثارها ومعالمها, لأنه ما دامت آثار التعينات مشهودة وأصوات الكثرات مسموعة, لا يكون الإنسان مسافراً, بل انه تخيل السفر وادّعى السير والسلوك قال الله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} سورة النساء /100.

فبعد أن يغادر السالك إلى الله بخطوات ترويض النفس والتقوى الكاملة, بيت النفس, ولم يصطحب معه في هذا الخروج ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فطرة الله

كتبها ابن يونس ، في 9 أيار 2006 الساعة: 18:14 م

فطرة الله:

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (الروم:30)

الحق جل شأنه لا يحتاج إلى دليل يدل عليه ، حيث معرفته جل شأنه شيء فطري ترتكز في كل فرد ، كما قال الإمام الصادق عليه السلام للسائل حينما قال له: ( يا ابن رسول الله " صلى الله عليه وآله " دلني على الله ما   هو ؟ فقد أكثر علي المجادلون وحيروني ، فقال عليه السلام يا عبد الله : هل ركبت سفينة قط ؟ قال : بلى ، قال : فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك ؟ قال : بلى ، قال : فهل تعلق قلبك هناك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك ؟ قال : بلى قال الإمام الصادق عليه السلام : فذاك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حين لا منجي وعلى الإغاثة حين لا مغيث )[1]. وهذه فطرة الله التي فطر الناس عليها التي لا تستند إلى البراهين وطرق الاستدلال, وهي متيسرة لكل فرد, ولهذا ورد أن (الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق) لتمتعهم بتلك الفطرة الإلهية, ولكن وبالرغم من هذا إلاّ أن هذه المعرفة تتحول وتتخذ لها سبلاً قد لا تؤدي إلى الوصول للمعرفة الحقة التي رسمها الله لعباده, فبمجرد أن يولد الإنسان في هذه الدنيا حتى تتلوث تلك الفطرة وتتقولب بقوالب الذهن البشري الذي اكسب معارفه من النظرة الإنسانية المحدودة, ولذا قار رسول الله (ص):  (يولد الإنسان على الفطرة, وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) أ و ربما دانوا بغير نا أنزل الله فيدينون أبنائهم بأديان لا خلاق لها موضوعه بقيود الفهم البشري للكون, والتي غالبا ما تكون مستندة إلى الدجل والخرافة.

ولتعلم أن الله سبحانه وتعالى بلطف حكمته وجميل صنعته بهر العقول ، وامتحن أهلها ، بأن طلب من الخلق أمورا كلية عظيمة ، وجعل مفاتيحها آثارها الدالة عليها, فالأثر يدل على المؤثر، فمن استعظم الأمور الموصلة إليها وتهاون عنها ، فاته ما أريد منه ، وكان ذلك من أعظم الامتحان له ، ومن توسّل بتلك الأمور الجزئية ، أوصلته إلى تلك المطالب النفيسة الكلية ، فهو لم يأت إلا الجزئي الحقير مع أنه أوصله إلى الكلي النفيس الكثير ، وذلك من أعظم السعادات له.

واعلم أن المقصود من " فطرة الله" التي فطر الناس عليها هو الحال والكيفية التي خلق الناس وهم متّصفون بها والتي تعد من لوازم وجودهم, ولذلك " تخمّرت" طينتهم بها في أصل الخلق. والفطرة الإلهية ـ كما سيتبيّن فيما بعد ـ من الألطاف التي خصّ الله تعالى بها الإنسان من بين جميع المخلوقات. إذ أن الموجودات الأخرى غير الإنسان إما أنها لا تملك مثل هذه الفطرة المذكورة وإما أن لها حظاً ضئيلاً منها.

وهنا لابدَّ من معرفة أن الفطرة, وإن فسرت في هذا الحديث [2] الشريف وغيره من الأحاديث بالتوحيد, إلا أن هذا هو من قبيل بيان المصداق, أو التفسير بأشرف أجزاء الشيء, كأكثر التفاسير الواردة عن أهل بيت العصمة "عليهم السلام", وفي كل مرة تفسر بمصداق جديد بحسب مقتضى المناسبة, فيحسب الجاهل أن هناك تعارضاً, والدليل على أن المقام كذلك هو أن الآية الشريفة تعتبر " الدين " هو "فطرة الله " مع أن الدين يشمل التوحيد والمبادئ الأخرى.

في صحيحة عبد الله بن سنان فسرت الفطرة على أنها تعني "الإسلام", وفي حسنة زرارة فسرت بالمعرفة, وفي الحديث المعروف " كل مولودٍ يولَدُ على الفطرة, جاءت في قبال " التهوَد " و"التنصَر" و"التمجُّس", كما أن الإمام الباقر "ع" في حسنة زرارة المذكورة فسّرها بالمعرفة. وعليه فالفطرة ليست مقصورة على التوحيد, بل إن جميع المبادئ الحقة هي من الأمور التي فطَر الله تعالى الإنسان عليها.

لابدّ أن نعرف بأن ما هو من أحكام الفطرة لا يمكن أن يختلف فيه اثنان, من ناحية أنها من لوازم الوجود وقد تخمّرت في أصل الطبيعة والخلقة. فالجميع, من الجاهل والمتوحش والمتحضر والمدني والبدوي, مجمعون على ذلك. وليس ثمّة منفذ للعادات والمذاهب والطرق المختلفة للتسلّل إليها والإخلال بها. إن اختلاف البلاد والأهواء والمأنوسات وال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ماهو العرفان الجزْ الثاني

كتبها ابن يونس ، في 9 أيار 2006 الساعة: 18:00 م

حقيقة العرفان

تعريف العرفان:

جذر كلمة الـ"عرفان" وتعريفها:

عَرَفَ  عَرَفْتُهُ مَعْرِفَةً وعِرْفاناً (1)..قولهم: ما أعرِفُ لأحدٍ يصرعني، أي ما أعترفُ.. والمَعْروفُ: ضدّ المنكر.. والعُرْفُ أيضاً: الاسمُ من الاعتراف، ومنه قولهم: له عليَّ ألفٌ عُرْفاً، أي اعترافاً، وهو توكيد.

 

 واعْرَوْرَفَ البحرُ، أي ارتفعت أمواجه.. والعِرْفُ بالكسر، من قولهم: ما عَرَفَ عِرْفي إلا بآخَرَةٍ، أي ما عرفَني إلا أخيراً.

وكذلك العُرْفَةُ، والجمع عُرَفٌ وأعْرافٌ ويقال الأعرافُ الذي في القرآن: سورٌ بين الجنة والنار.. والعارِفُ: الصبورُ. يقال: أصيب فلان فَوُجِدَ عارِفاً, والعَروفُ مثله. قال عنترة:

 

فصَبَرْتُ عارِفَةً لذلك حُرَّةً          ترْسو إذا نَفْسُ الجبان تَطَلَّعُ

 

يقول: حبستُ نَفساً عارِفَة، أي صابرةً.. والعارفَةُ أيضاً: المعروفُ. ورجلٌ عَروفَةٌ بالأمور، أي عارفٌ بها؛ والهاء للمبالغة.. والعريفُ والعارِفُ بمعنىً، مثل عليمٍ وعالمٍ. وأنشد الأخفش:

أوَ كُلما وَرَدَتْ عُكاظَ قبيلة          بعثوا إليَّ عَريفَهُمْ يَتَوَسَّمُ

أي عارِفَهُمْ.. والعَريفُ: النقيبُ، وهو دون الرئيس، والجمع: عُرَفاءُ, تقول منه عَرُفَ فلانٌ بالضم عَرافَةً، مثل خُطب خَطابَةً، أي صار عريفاً، وإذا أردت أنه عمل ذلك قلت: عَرَف فلان علينا سنين يَعرُفُ عِرافَةً.. والتَعْريفُ: الإعلامُ ، والتَعْريف أيضاً: التطييب, من العَرْفِ.. وقوله تعالى: "عَرّفَها لهم" أي طَيَّبَها. والعَرَّافُ: الكاهنُ والطبيبُ. قال الشاعر:

فقلت لعَرَّافِ اليَمامةِ داوني           فإنك إن أبْرَأْتَني لَطبـيبُ

وربَّما وضعوا اعْتَرَفَ موضعَ عَرَفَ، كما وضعوا عَرَفَ موضع اعْتَرَفَ. قال أبو ذؤيب يصف سحاباً:

مَرَتْهُ النُعامى فلـم يَعْـتَـرِفْ         خِلافَ النُعامى من الشأم ريحا

أي لم يَعرِف غير الجنوب؛ لأنَّها أبَلُّ الرياحِ وأرطَبُها.

وعَرَفَ 2 [عِرْفَةً وعِرفاناً ومَعْرِفَةً] الشيء: علمه. ـ بذنبه: أقرَّ. ـ هُ: جازه. ـ للأمر: صبر..[عَرَفَ ـ عَرَافَةٌ] على القوم: دبَّرَ أمرهم وقامَ بسياستهم..[ ـَ عرْفاً  وعَرَافَةٌ] أكثر من الطيب. طاب ريحُهُ.. [عَرَّفَ] الشيء: طيَّبهُ. ـ هُ الأمر: أعلمهُ إيَّاه.. ـ الضالَّة: نشدها وطلبها.. ـ الطعام: أكثر أدَمَهُ.. ـ الاسم: ضدَّ نكَّرهُ.. [ـ وأعْرَفه] فلاناً: وقَّفهُ على ذنبهِ ثم عفا عنهُ..  ـ بفلانٍ: صار معروفا عنده. ـ به: دلَّ عليه. واستَعرفَ إلى فلان: انتسب له ليعرفه. والعرفان: مص المعروف: ضد المنكر.

ومن هذه التعاريف نفهم عدة فهوم لمعنى العرفان منها: (الاعتراف والإقرار, الطلب والإنشاده, البيّن والواضح, العلو والسمو المتغير الأحوال, العلم المتكثر, الفصل والفرقان, الصبر والمصابرة, الدراية والإطلاع, النقابة والوزارة أو مادون الرئاسة, الدلالة والإعلام, التطبيب والمعالجة, الريح اللطيفة الطيبة, التدبير والسياسة, الكثرة والإدامة, الانتساب للمعرَّف) ومثل هذه الصفات لو صيغت صياغة إلهية تصيرها من صفات النفس الإنسانية لكانت من فضائل الصفات وأحسنها, ولكان الفرد المتصف بها متصفاً بأفضل المحاسن وأقومها {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (1)

والعرفان في الاصطلاح: ما استقر في النفوس من جهة شهادات العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول. وهو: علم من العلوم الإلهية وموضوعه معرفة الحق وأسمائه وصفاته.

العرفان هو (3): طريق معرفة النفس التي أرشد إليه الكتاب والسنة، وهو "الطريق الذي لابد لسالكه أن ينسى كل شيء سوى الله تعالى… الطريق الرئيس الذي ينتهي به إلى الهداية الواقعية والكاملة". وطريق العرفان هو الذي يسلك بالمؤمن إلى العالم العلوي وتقر في قلبه عظمة الله وجلاله… وفي الحقيقة أن هذه الجاذبية الباطنية هي التي قد أوجدت في عالم الإنسان سبيل عبادة الله تعالى".

والعرفان هو أعلى درجة معرفية ومكانة اجتماعية لذا فهو علم شريف لأنه علم إلهي يختص به الإنسان الكامل وهو علم جامع لسلسلة الوجود وبه تتم دائرة العلاقة بين الخلق و"ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العلم والمعرفة والفرق بينهما وما يرادفهما

كتبها ابن يونس ، في 9 أيار 2006 الساعة: 17:36 م

المعرفة والعلم:

العلم والمعرفة، من حيث إن كلا منهما يعني إدراك الشيء على ما هو عليه. إلا أن ثمة تباينا بينهما من الوجوه التالية:

1_ المعرفة مسبوقة بجهل، أو إدراك مسبوق بجهل. وليس العلم كذلك ولذلك يقال للحق سبحانه وتعالى عالم، ولا يقال له عارف.

2_ كما أن المعرفة قد يراد بها العلم الذي تسبقه غفلة، وليس العلم كذلك ومن ثم يسمى الله تعالى العليم وعالم الغيب وعلام الغيوب ولا يسمى عارفا.

3_ تطلق المعرفة على إدراك البسيط، ويطلق العلم على إدراك المركب، فتقول: عرفت الله ولا تقول علمته.

4_ تطلق المعرفة على ما يدرك بآثاره ولا تدرك ذاته. ويطلق العلم على ما تدرك ذاته. ولذلك يقال: عرفت الله، ولا يقال: علمته.

5_ خلاف المعرفة الإنكار، وخلاف العلم الجهل. وذلك لأن في معنى المعرفة الاعتراف والإقرار.

6_ وقيل: إن المعرفة تستعمل في التصورات، والعلم يستعمل في التصديقات. ولذلك تقول: عرفت الله ولا تقول علمته، لأن من شرط العلم أن يكون محيطاً بأحوال المعلوم إحاطة تامة. ومن أجل ذلك وصف الله تعالى نفسه بالعلم لا بالمعرفة.

ألفاظ ومصطلحات مرادفة للعلم والمعرفة:

أخذ العلم مفهوماً جامعاً لمعاني كثيرة ذلك لأن العلم أو المعرفة علاقة بين عالم ومعلوم، وبين ذات عارفة وموضوع معروف. فهو من جهة ما ذاتي ومن جهة أخرى موضوعي أي له موضوع متحقق في الخارج. ثم العلم أو المعرفة ـ عند من يرى ترادفهما ـ درجات تبدأ من الاتصال الحسي إلى التجريد العقلي، إلى المرور في مراحل الحفظ والتفكير، وهو كذلك حدس داخلي أو معرفة مباشرة وجدانية وهو كذلك إدراك للجزئيات، كما أنه إدراك للكليات، إدراك للبسيط كما هو إدراك للمركب. وله طريق حسي وطريق عقلي وقلبي، وبعضه كذلك إدراك بديهي لا يحتاج إلى دليل ونظر وكسب.

وبعضه الآخر كسبي يحتاج إلى النظر والاستدلال. والمعرفة كذلك علم من جهة، وعمل من جهة أخرى. وللعلم درجات من حيث الشك والظن واليقين فيه حركة للفكر في المعقولات كما أن فيه انقداح فكر وخاطر، وسرعة بديهة وذكاء، وقد يكو العلم علماً مجرداً سطحياً، كما قد يكون علماً مستغرقاً عميقاً أو فقها.

لذلك كله، نجد أن للعلم أو المعرفة مترادفات كثيرة، وإن كان كل لفظ مرادف، له علاقة العلم الشامل من جهة ما. وقد استقصينا هذه الألفاظ المرادفة، من خلال اللغة والاستعمال، ومن خلال بعض آيات القرآن الكريم. من هذه الألفاظ المرادفة للعلم والمعرفة الألفاظ التالية:

1_ الشعور:

الشعور في اللغة من شعر بمعنى علم وفطن ودرى. والمشاعر هل الحواس.

والشعور: علم الشيء علم حس. والشعور في الأصل اسم للعلم الدقيق، وأطلق بعض المفسرين الشعور على إدراك المشاعر أي الحواس الخمس. ويرى صاحب المنار أنه إدراك ما دق من حسي وعقلي وقد عرفه الرازي بأنه مرادف للعلم وأنه إدراك بغير استثبات، وأنه أول مراتب وصول العلوم إلى القوة العاقلة، وكأنه إدراك متزلزل، ولهذا لا يقال في الله تعالى إنه يشعر بكذا بل إنه يعلم كذا".

والشعور عند علماء النفس: إدراك المرء لذاته أو لأحواله وأفعاله، إدراكاً مباشراً وهو أساس كل معرفة، وللشعور مراتب متفاوتة الوضوح أهمها الشعور التلقائي التأملي.

أما الشعور التلقائي فهو الإطلاع الحدسي المباشر على أحوال النفس، أو مجرد الإدراك الخاطف لما يطرأ عليها. فكأن هذا الإدراك تسجيل للواقع كما هو، وكأن الرائي فيه لا يختلف عن المرئي في شيء.

والشعور التأملي وهو أوضح وأدق من الأول، وأعمق غوراً منه، لأنه يقتضي التفريق بين الرائي والمرئي، وبين العالم والمعلوم، ومتى بلغ الشعور هذه المرتبة، استطاع المدرك أن يقرأ ما في نفسه، وأن يحلل موضوع معرفته وأن ينقله إلى غيره.

وقد يطلق الشعور على ما يكشف به المرء عن وجوده الحقيقي، أي على مجموع الأحوال التي يشعر بها، ويسمى هذا الشعور بالشعور الذاتي أو بـ(وعي الذات).

أو يطلق على مجموع الأحوال النفسية المشتركة بين عدة أفراد ويسمى شعوراً جمْعيّا.

وجملة القول أن الشعور هو الظاهرة الأول للحياة العقلية أو هو ما تتميز به الظواهر النفسية عن الظواهر الطبيعية. وله عدة مظاهر هي: الحضور الذهني أو الإدراك المباشر، والأثر المركزي للتنبيه الحسي، والقدرة على الاختيار، وإدراك علاقة المدرك بالعالم الخارجي، وقدرته على التأثير فيه.

وقد وردت كلمة الشعور بهذا المعنى المرادف للعلم في القرآن في ثلاثة وعشرين موضعاً. منها قوله سبحانه:

{وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} (البقرة:154) {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} (البقرة:12) {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} (النحل:2) {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ} (الأنعام:109)

 2_ الإدراك:
وهو اللقاء والوصول. فيقال أدرك الغلام وأدركت الثمرة. قال الله تعالى: {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}(الشعراء: من الآية61)). فالقوة العاقلة إذا وصلت إلى ماهية المعقول وحصلتها كان ذلك إدراكاً من هذه الجهة. أو هو إحاطة الشيء بكماله.

ولذلك قال الله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ..} (الأنعام:103)

ويطلق الإدراك كذلك على مجموعة معان تتعلق بالعلم هي:

ما يدل على حصول صورة الشيء عند العقل سواء كان ذلك الشيء مجرداً أو مادياً، جزئياً أو كلياً، حاضراً أو غائباً، حاصلاً في ذات المدرك أو آلته.

ثم إن الإدراك إذا دل على تمثُل حقيقة الشيء وحده، من غير حكم عليه بنفي أو إثبات سمى تصوراً، وإذا دل على تمثل حقيقة الشيء مع الحكم عليه بأحدهما سمى تصديقاً.

 والإدراك بهذا المعنى مرادف للعلم. وهو يتناول جميع القوى المدركة، فيقال إدراك الحس، وإدراك الخيال، وإدراك الوهم وإدراك العقل.

ويحدد بعض الفلاسفة الإدراك بالإدراك الحسي وحده، وحينئذ يكون أخص من العلم وقسماً منه، وبعضهم يوسع معناه فيطلقه على حضور صورة المشعور به، ويكون عندئذ حالة عقلية.

3_ التصور:

قال الرازي: "إذا حصل وقوف القوة العاقلة على المعنى وأدركه بتمامه فذلك هو التصور" وهو لفظ مشتق من الصورة، ولفظ الصورة حيث وضع فإنما وضع للهيئة الجسمانية الحاصلة في الجسم المتشكل، إلا أن الناس لما تخيلوا، أن الحقائق المعلومات تصير حالة في القوة العاقلة، كما أن الشكل والهيئة يحلاّن في المادة الجسمانية، وأطلقوا لفظ ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المبادئ الأساسية للمعارف الأولية

كتبها ابن يونس ، في 9 أيار 2006 الساعة: 17:19 م

أسس المعرفة (نظرية المعرفة):

إن الإنسان يعلم أشياء عديدة (2) في حياته وتتعدد في نفسه ألوان من التفكير والإدراك, ولا شك في أن كثيراً من المعارف الإنسانية ينشأ بعضها عن بعض, فيستعين الإنسان بمعرفة سابقة على تكوين معرفة جديدة. والمسألة هي أن نضع يدنا على الخيوط الأولية للتفكير, على الينبوع العام للإدراك بصورة عامة.

ويجب ان نعرف قبل كل شيء إن الإدراك ينقسم لصورة رئيسية إلى نوعين, أحدهما (التصور) وهو الإدراك الساذج, والآخر (التصديق) وهو الإدراك المنطوي على حكم. فالتصور؛ كتصورنا لمعنى الحرارة أو النور أو الصوت. والتصديق؛ كتصديقنا بأن الحرارة طاقة مستوردة من الشمس, وأن الشمس أنور من القمر, وأن الذرة قابلة للانفجار.

فلنبدأ الآن بالتصورات البشرية لدرس أسبابها ومصادرها, ونتناول بعد ذلك التصديقات والمعارف:

التصور ومصدره الأساسي:

المقصود من (الأساسي) المصدر الحقيقي للتصورات والإدراكات البسيطة, ذلك أن الذهن البشري ينطوي على قسمين من التصورات, أحدهما (المعاني التصورية البسيطة) كمعاني الوجود والوحدة والحرارة والبياض وما إلى ذلك من مفردات للتصور البشري. والقسم الآخر (المعاني المركبة) أي التصورات الناتجة عن الجمع بين تلك التصورات البسيطة. فقد نتصور (جبلا من تراب) ونتصور (قطعة من الذهب) ثم نركب بين هذين التصورين فيحصل بالتركيب تصور ثالث وهو (جبل من ذهب). فهذا التصور مركب في الحقيقة من التصورين الأولين, وهكذا ترجع جميع التصورات المركبة إلى مفردات تصورية بسيطة.

والمسألة التي  نعالجها هي محاولة معرفة المصدر الحقيقي لهذه المفردات وسبب انبثاق هذه التصورات البسيطة في الإدراك الإنساني. وهذه المسألة لها تاريخ مهم في جميع أدوار الفلسفة, وقد حصلت عبر تاريخها الفلسفي على عدة حلول تتلخص في النظريات الآتية:

1-      نظرية الاستذكار الأفلاطوني:

 وهي النظرية القائلة: بأن الإدراك عملية استذكار للمعلومات السابقة. وقد ابتدع هذه النظرية أفلاطون (1) وأقامها على فلسفته الخاصة عن المُثل, وقِدّم النفس الإنسانية, فكان يعتقد أن النفس الإنسانية موجودة بصورة مستقلة عن البدن قبل وجوده, ولما كان وجودها هذا متحرراً من المادة وقيودها تحرراً كاملاً أتيح لها الاتصال بالمُثل –أي الحقائق المجردة عن المادة- وأمكنها اعلم بها, وحين اضطرت إلى الهبوط من عالمها المجرد للاتصال بالبدن والارتباط به في دنيا المادة, فقدت بسبب ذلك كل ما كانت تعلمه من تلك المثل والحقائق الثابتة, وذهلت عنها ذهولاً تاماً, ولكنها تبدأ باسترجاع إدراكاتها عن طريق الإحساس بالمعاني الخاصة والأشياء الجزئية, لأن هذه المعاني والأشياء كلها ظلال وانعكاسات لتلك المثل والحقائق الأزلية الخالدة في العالم الذي كانت تعيش فيه النفس. فمتى أحست بمعنى خاص انتقلت فوراً إلى الحقيقة المثالية التي كانت تدركها قبل اتصالها بالبدن. وعلى هذا الأساس يكون إدراكنا للإنسان العام أي لمفهوم الإنسان بصورة كلية عبارة عن استذكار لحقيقة مجردة كنا قد غفلنا عنا, وإنما استذكرناها بسبب الإحساس بهذا الإنسان الخاص أو ذاك من الأفراد التي تعكس في عالم المادة تلك الحقيقة المجردة. فالتصورات العامة سابقة على الإحساس, ولا يقوم الإحساس إلاّ بعملية استرجاع واستذكار لها, والإدراكات العقلية لا تتعلق بالأمور الجزئية التي تدخل في نطاق الحس, وإنما تتعلق بتلك الحقائق الكلية المجرة.

وهذه النظرية ترتكز على قضيتين فلسفيتي:

 إحداهما: أن النفس موجودة قبل وجود البدن في عالم أسمى من المادة.

والأخرى: أن الإدراك العقلي عبارة عن إدراك الحقائق المجردة الثابتة في ذلك العالم الأسمى والتي يصطلح عليها أفلاطون بكلمة (المُثل).

وقد خطّأ  هذين القضيتين ناقدو الفلسفة الأفلاطونية. فاعتبروا فالنفس في مفهومها الفلسفي المعقول ليست شيئاً موجوداً بصورة مجردة قبل وجود البدن, بل هي (نتاج حركة جوهرية في المادة) تبدأ النفس بها مادية متصفة بخصائص المادة وتخضع لقوانينها, وتصبح بالحركة والتكامل وجوداً مجرداً عن المادة لا يتصف بصفاتها ولا يخضع لقوانينها وإن كان خاضعا لقوانين الوجود العامة, فإن هذا المفهوم الفلسفي عن النفس هو المفهوم الوحيد الذي جادت به عقول الفلاسفة العقليين لتفسير هذه المشكلة.

وهذه النظرية وإن كانت محترمة جداً وتُنبئ بحذاقة واضعها إلاّ أن صياغتها بهذه الصياغة العقلية الفلسفية قد شوه اغلب معالمها مما جعلها عرضة للنقد والإبطال من قبل الخائضين في الفلسفة والتفلسف. على الرغم من أن العلاقة بين النفس والجسد علاقة بسيطة لا تحتاج إلى كل تلك الإلتواءات في الكلام, ويمكن تصور تلك العلاقة بين النفس والبدن بتصور العلاقة بين الزمان والحركة أو بين المكان والجسم, وبتعبير آخر: أن علاقة النفس بالبدن علاقة تدبير تلازمي تبادلي, فهي المدبرة لشؤون الجسد وبه تتدبر شؤونها.وليس هنا محل الإطناب في هذا فسيكون لنا كلام بهذا الخصوص في محاله إنشاء الله.

فإنه يمكن إيضاح الإدراك العقلي مع إبعاد فكرة المثل عن مجال البحث, بما شرحه أرسطو في فلسفته من أن المعاني المحسوسة هي نفسها المعاني العامة التي يدركها العقل بعد تجريدها عن الخصائص المميزة للأفراد واستبقاء المعنى المشترك, فليس الإنسان العام الذي ندركه حقيقة مثالية سبق أن شاهدناها في عالم أسمى, بل هو صورة هذا الإنسان أو ذاك بعد إجراء عملية التجريد عليها واستخلاص المعنى العام منها.

تنبيه:

وهنا يجدر بي أن أشير إلى أني قد ذكرت هذه المباحث الفلسفية وما سأذكره منها في الأوراق القلية الآتية لكي يتأتى للفرد السائر في طريق المعرفة والعرفان من تحديد مكانه وسط هذا الكم الهائل من التداعيات العقلية والتدافعات الفكرية, ولكي يفهم بأن لا نفع من الفلسفة والتفلسف ولا يمكن أن يجعلها همه وزاده الذي يتزود به. وإنما النفع الوحيد الذي يمكن أن يتحصل منها هو جعلها لباس للطائف معاني الأفكار الإلهية والأسرار الربوبية من أن يكشف سترها أصحاب العقول الخاوية. فلم يتسنى قط للعقول من الوصول إلى مدارك تلك المعارف التي خُصَّ بها عباد الله الذين تحت قبابه, وإليك قول جبرائيل (ع) والذي هو كمال العقول والعقل الفعال للرسول الكريم محمد بن عبد الله (ص) في معراجه الملكوتي: (لو تقدمت أنملة لحترقت).

 

2-      النظرية العقلية:

وهي لعدة من كبار فلاسفة أوربا كـ(ديكارت و كانت) وغيرهما, وتتلخص هذه النظرية في الاعتقاد من وجود منبعين للتصورات:

الإحساس: فنحن نتصور الحرارة والنور والطعم والصوت لأجل إحساسنا بذلك كله.

والآخر: الفطرة, بمعنى أن الذهن البشري يملك معانٍ وتصورات لم تنبثق عن الحس وإنما هي ثابتة في صميم الفطرة, فالنفس تستنبط من ذاتها. وهذه التصورات الفطرية عند ديكارت هي فكرة (الله والنفس والامتداد والحركة) وما إليها من أفكار تتميز بالوضوح الكامل في العقل البشري. وأما عند كانت فالجانب الصوري للإدراكات والعلوم الإنسانية كله فطري بما يشتمل عليه من صورتي الزمان والمكان والمقولات الإثنتي عشر المعروفة عنه.

فالحس على أساس هذه النظرية مصدر فهم التصورات والأفكار البسيطة, ولكنه ليس هو السبب الوحيد, بل هناك الفطرة التي تبعث في الذهن طائفة من التصورات.

والذي اضطر العقليين إلى اتخاذ هذه النظرية في تعليل التصورات البشرية هو أنهم لم يجدوا لطائفة من المعاني والتصورات مبرراً لانبثاقها عن الحس, لأنها معانٍ غير محسوسة, فيجب أن تكون مستنبطة للنفس استنباطاً ذاتياً من صميمها. ويتضح من هذا أن الدافع الفلسفي إلى وضع النظرية العقلية يزول تماماً إذا استطعنا أن نفسر التصورات الذهنية تفسيرا متماسكاً من دون الحاجة إلى افتراض أفكار فطرية. ولأجل ذلك يمكننا تفنيد النظرية العقلية عن طريقين:

أحدهما: تحليل الإدراك تحليلاً يرجعه برمته إلى الحس وييسر فهم كيفية تولد التصورات كافة عنه. فإن مثل هذا التحليل يجعل نظرية الأفكار الفطرية بلا مبرر مطلقاً, لأنها كانت ترتكز على فصل بعض المعاني عن مجال الحس فصلاً نهائياً, فإذا أمكن تعميم الحس لشتى ميادين التصور لم تبقَ ضرورة للتصورات الفطرية. وهذا الطريق هو الذي اتخذه (جون لوك) للرد على ديكارت ونحوه من العقليين, وسار عليه رجال المبدأ الحسي مثل (باركلي) و(دافيد هيوم) بعد ذلك.

والطريق الآخر: هو الأسلوب الفلسفي للرد على التصورات الفطرية, ويرتكز على قاعدة (أن الآثار الكثيرة لا يمكن أن تصدر عن البسيط باعتباره بسيطاً) والنفس بسيطة, فلا يمكن أن تكون سبباً بصورة فطرية لعدة من التصورات والأفكار, بل يجب أن يكون وجود هذا العدد الضخم من الإدراكات لدى النفس بسبب عوامل خارجية كثيرة, وهي آلات الحس وما يطرأ عليها من مختلف الأحاسيس. وبكلمة أكثر تفصيلاً: إن كثرة الآثار تكشف عن أحد أمور: إما كثرة الفاعل, وإما كثرة القابل, وإما الترتب المنطقي بين الآثار ذواتها, وإما كثرة الشرائط. وفي مسألتنا لا شك في أن التصورات التي نبحث عن منشأها كثيرة ومتنوعة مع أنه لا كثرة في الفاعل والقابل, لأن الفاعل والقابل للتصورات هو النفس, والنفس بسيطة, ولا ترتب أيضاً بين التصورات, فلا يبقى إلاّ أن نأخذ بالتفسير الأخير, وهو أن تستند التصورات الكثيرة إلى شرائط خارجية, وهي الاحساسات المختلفة المتنوعة.

ولكن هذا البرهان لا يصمد بصورة كاملة إذا ما فهمنا أن الأفكار الفطرية موجودة في النفس بالقوة وتكتسب صفة الفعلية بتطور النفس وتكاملها الذهني, فليس التصور الفطري نابعاً

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ماهو العرفان-الجزء الأول

كتبها ابن يونس ، في 9 أيار 2006 الساعة: 17:08 م

الفصل الأول

المعرفة العلمية (النظرية)

توطئة:

حب الذات هو الغريزة الوحيدة التي لا نعرف غريزة أعم منها وأقدم, فكل الغرائز فروع هذه الغريزة وشُعبها, بما فيها غريزة المعيشة. فإن حب الإنسان ذاته -الذي يعني يحبه للذة والسعادة لنفسه, وبغضه للألم والشقاء لذاته- هو الذي يدفع الإنسان إلى كسب معيشته, وتوفير حاجاته الغذائية والمادية. ولذا قد يضع حداً لحياته بالانتحار إذا وجد أن تحمل ألم الموت أسهل عليه من تحمل الآلام التي تزخر بها الحياة.

فالواقع الطبيعي الحقيقي إذن, الذي يكمن وراء الحياة الإنسانية كلها ويوجهها بإصبعه هو  حب الذات الذي نعبر عنه بـ(حب اللذة وبغض الألم). ولا يمكن تكليف الإنسان أن يتحمل (مختارا) مرارة الألم دون شيء من اللذة, إلاّ إذا سلبت منه إنسانيته وأعطي طبيعة جديدة لا تعشق اللذة ولا تكره الألم.

وحتى الألوان الرائعة من الإيثار التي نشاهدها في الإنسان ونسمع عن تاريخه.. نخضع في الحقيقة أيضاً لتلك القوة المحركة الرئيسية: (غريزة حب الذات). فالإنسان قد يؤثر ولده أو صديقه على نفسه, وقد يضحي في سبيل بعض المثل أو القيم.. ولكنه لن يقدم على شيء من هذه البطولات ما لم يحس فيها بلذة خاصة ومنفعة تفوق الخسارة التي تنجم عن تضحيته وإيثاره.

وهكذا يمكن أن نفسر سلوك الإنسان بصورة عامة, في مجالات الأنانية والإيثار على حدٍ سواء. ففي الإنسان استعدادات كثيرة للالتذاذ بأشياء متنوعة: مادية؛ كالالتذاذ بالطعام والشراب وألوان المتعة الجنسية وما إليها من اللذائذ المادية.. أو معنوي؛ كالالتذاذ الخلقي والعاطفي, بقيم خلقية أو تأليف روحي أو عقيدة معينه, حين يجد الإنسان أن تلك  القيم أو ذلك الليف أو هذه العقيدة جزء من كيانه الخاص. وهذه الاستعدادات التي تهيئ الإنسان للالتذاذ  بتلك المتع المتنوعة تختلف في درجاتها عند الأشخاص, وتتفاوت في مدى فعليتها, باختلاف ظروف الإنسان وعوامل الطبيعة والتربية التي تؤثر فيه.

فبينما نجد أن بعض تلك الاستعدادات تنضج عند الإنسان بصورة طبيعية, كاستعداده للالتذاذ الجنسي مثلا, مجد ألوانا أخرى منها قد لا تظهر في حياة الإنسان, وتظل تنتظر عوامل التربية التي تساعد على نضجها وتفتحها. وغريزة حب الذات من وراء هذه الاستعدادات . فهي تدفع إنسانا إلى الاستئثار بطعام على آخر وهو جائع, وهي بنفسها تدفع إنسانا آخر لإيثار الغير بالطعام على نفسه. لأن استعداد الإنسان الأول للالتذاذ بالقيم الخلقية والعاطفية الذي يدفعه إلى الإيثار كامنا ولم تتح له عوامل التربية المساعدة على تركيزه وتنميته. بينما يظفر الآخر بهذا اللون من التربية, فاصبح يلتذ بالقيم الخلقية والعاطفية ويضحي بسائر لذاته في سبيلها.

فمتى أردنا أن نغير من سلوك الإنسان شيئاً يجب أن نغير من مفهوم اللذة والمنفعة عنده, وندخل السلوك المقترح ضمن الإطار العام لغريزة حب الذات.

فإذا كانت غريزة حب الذات بهذه المكانة من دنيا الإنسان, وكانت الذات في نظر الإنسان عبارة عن طاقة مادية محدودة, وكانت اللذة عبارة عما تهيئه المادة من متع ومسرات.. فمن الطبيعي أن يشعر الإنسان بأن مجال كسبه محدود, وأن شوطه قصير, وأن غايته في هذا الشوط أن يحصل على مقدار من اللذة المادية. وطريق ذلك ينحصر بطبيعة الحال في عصب الحياة المادية وهو (المال) الذي يفتح أمام الإنسان السبيل إلى تحقيق كل أغراضه وشهواته.

هذا هو التسلسل الطبيعي في المفاهيم المادية للوصول إلى تحقيق هدف الإنسان في هذه الحياة.. إذن فالخطر على الإنسانية يكمن كله في تلك المفاهيم المادية وما ينبثق عنها من مقاييس للأهداف والأعمال, من دون تطوير جديد للذهنية الإنسانية التي من شأنها أن توصل إلى الكرامة الإنسانية 1.

فنحن أمام سبيلان لمعالجة هذه المشكلة ودفع الخطر الذي يهدد الوجود الإنساني, للوصل إلى وضع الخطى الأولى في طريق الإنسان الكامل الذي ننشده ونهدف إليه بغية تحقيق الغاية من الخلق:

أحدهما: أن يبدل الإنسان غير الإنسان, أو تُخلق فيه طبيعة جديدة تجعله يضحي بمصالحه الخاصة ومكاسب حياته المادية المحدودة.. في سبيل المجتمع والمصلحة العامة.

والسبيل الآخر: هو أن يطور المفهوم المادي للإنسان عن الحياة, وبتطويره تتطور طبيعيا أهدافها ومقاييسها, وتتحقق المعجزة حينئذ من أيسر الطرق.

والسبيل الأول لا يتم (مع إيمان الإنسان بأنه لا قيم إلاّ قيم تلك المصالح المادية, ولا مكاسب إلاّ مكاسب هذه الحياة المحدودة) إلاّ إذا انتزع من صميم طبيعة حب الذات المرتكزة فيه خلقة وتكوينا. وبيان ذلك يخرج بنا بعيدا عما نريد إثباته.

أما السبيل الثاني فهو الذي سلكه الإسلام, إيمانا منه بأن الحل الوحيد للمشكلة هو (تطوير المفهوم المادي للإنسان عن الحياة). فلم يبتدر إلى مبدأ (حب الذات والملكية الخاصة) ليبطله, وإنما غزا المفهوم المادي للحياة ووضع للحياة مفهوما

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

!!!!الإنسان حيوان ناطق!!!!

كتبها ابن يونس ، في 6 أيار 2006 الساعة: 07:27 ص

هل الإنسان هو حيوان ناطق؟

حيث تصوروا – المناطقة – واعتبروا أن الحيوان هو المتحرك بالإرادة ، وجعلوا هذا المفهوم جنساً شاملاً لجميع الحيوانات وميزوا كل نوع من الأنواع الداخلة في هذا الجنس بالفصل . كالفرس فإنهم ميزوه بالصاهلية ، والأسد مثلاً ميزوه بالزائرية وغيره ، وميزوا الإنسان أيضاً بالناطقية حيث اعتبروه داخلاً في الجنس مع بقية الأنواع ومتميزاً عنهم بالفصل وهو الناطقية .

ولكننا إذا نظرنا إلى الآيات والروايات نجدها تدل على أن الإنسان لا يمكن أن يكون مشتركاً مع غيره من الحيوانات في الجنس ؛ لأنه أعلى وأكرم منها .

فنجد الله في كتابه يقول : (( الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون )) [1] وقال أيضاً : ((والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون )) [2] وقال أيضاً في نفس السورة : (( وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طريا )) [3] . وغيرها من الآيات التي نطق بها القرآن الكريم ، التي لو نظرنا لها لرأيناها تدل على أن الحيوان مسخر للإنسان ، فهو يأكل منه ويركب عليه وغيره ، فإذا كان من جنسه فعلى أي أساس فضله الله عليه ، وجعل له السلطة عليه ؟! .

فإذا قلنا بأن هذا عبثاً فالله أجل وأعلى من أن يكون عابثاً ، والعبث ظلم ، والله هو القائل في كتابه : ((وما ربك بظلام للعبيد)) [4] ، وقال تعالى أيضاً : ((فقالوا أرنا الله جهرةً فأخذتهم الصاعقة بظلمهم )) [5] وقال أيضاً : ((تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلماً للعالمين )) [6] فهذه الآيات تدل على أن الله لا يحب الظلم بل يعذب ويعاقب عليه ، فكيف يظلم بتفضيل بعض مخلوقاته على بعض من دون مسوغ ومرجح وهو القائل : ((وما الله يريد ظلماً للعالمين))

وخلاصة القول في هذا المقام أنه لا بد من سبب يجعل الإنسان يفضِل الحيوان ، فلا يكون من جنسه . وهنا لا بد من إيراد بعض الروايات :

ورد أن أعرابياً سأل أميرالمؤمنين u عن النفس فقال له أمير المؤمنين u : (عن أي الأنفس تسأل ) فقال الأعرابي يا مولاي هل النفس عديدة ؟ فقال u (نعم . نفس نامية نباتية ونفس حسية حيوانية ونفس ناطقة قدسية ونفس إلهية ملكوتية ) فقال الأعرابي وما النباتية ؟ فقالu : (قوة أصلها الطبائع الأربع بدء إيجادها عند مسقط النطفة مقرها الكبد ، مادتها من لطائف الأغذية ، فعلها النمو والزيادة ، وسبب فراقها اختلاف المتولدات ، فإذا فارقت عادت إلى ما منه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة ) فقال الأعرابي يا مولاي وما النفس الحيوانية ؟ فقال u : (قوة فلكية وحرارة غريزية أصلها الأفلاك بدء إيجادها عند الولادة الجسمانية ، فعلها الحياة والحركة والظلم والغشم والغلبة واكتساب الأموال والشهوات الدنيوية ، مقرها القلب سبب فراقها اختلاف المتولدات ، فإذا فارقت عادت إلى ما منه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة ، فتنعدم صورتها ويبطل فعلها ووجودها ، ويضمحل تركيبها ) فقال الأعرابي يا مولاي وما النفس الناطقة القدسية ؟ فقال u : (قوة لاهوتية بدأ إيجادها عند الولادة الدنيوية ، مقرها العلوم الحقيقة الدينية ، موادها التأييدات العقلية ، فعلها المعارف الربانية ، فراقها عند تحلل الآلات الجسمانية ، فإذا فارقت عادت إلى ما منه بدأت عود مجاورة لا عود ممازجة) فقال الأعرابي يامولاي وما النفس اللاهوتية الملكوتية فقال u : (قوة لاهوتية وجوهرة بسيطة حية بالذات أصلها العقل منه بدأت وعنه وعت وإليه دلت وأشارت ، وعودتها إليه إذا كملت وشابهته ، ومنها بدأت الموجودات وإليها تعود بالكمال ، فهي ذات الله العليا وشجرة طوبى وسدرة المنتهى وجنة المأوى ، من عرفها لم يشق ومن جهلها ضل سعيه وغوى ) [7] .

وعن كميل بن زياد أنه قال : سئلت مولانا أميرالمؤمنين علياً u فقلت : يا أمير المؤمنين أريد أن تعرفني نفسي . فقال ياكميل وأي الأنفس تريد أن أعرفك ؟ قلت : يا مولاي هل هي إلا نفس واحدة ؟! قال : يا كميل إنما هي أربعة : النامية النباتية و الحسية الحيوانية والناطقة القدسية والكلية الإلهية . ولكل واحدة من هذه خمس قوى وخاصيتان . فالنامية النباتية لها خمس قوى : ماسكة وجاذبة وهاضمة ودافعة ومربية ولها خاصيتان : الزيادة والنقصان . وانبعاثها من الكبد . والحسية الحيوانية لها خمس قوى : سمع وبصر وشم وذوق ولمس ، ولها خاصيتان : الرضا والغضب . وانبعاثها من القلب . والناطقة القدسية لها خمس قوى : فكر وذكر وعلم وحلم ونباهة ، وليس لها انبعاث ، وهي أشبه الأشياء بالنفس الفلكية ، ولها خاصيتان : النزاهة والحكمة . والكلية الإلهية لها خمس قوى : بهاء في فناء ونعيم في شقاء وعز في ذل وفقر في غناء وصبر في بلاء . ولها خاصيتان الرضا والتسليم ، وهذه التي مبدئها من الله وإليه تعود قال الله تعالى (ونفخت فيه من روحي) وقال تعالى : (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربكِ راضيةً مرضية) والعقل في وسط الكل ) [8]

فتبين لنا من هاتين الروايتين أن النفس ليست واحدة ، وإنما هي عديدة ، والنفس النباتية والحيوانية والناطقة ، هذه الثلاث موجودة في الإنسان ولكن وجود الأوليتين فيه بالعرض ، يعني لكي يؤدي ما عليه من التكاليف لا بد أن يظهر بهما ، وأما حقيقته فهي النفس الناطقة ، وهذا ما نلحظه من كلام أمير المؤمنين u للأعرابي حيث يقول مثلاً في الحيوانية : (قوة فلكية وحرارة غريزية أصلها الأفلاك ، بدء إيجادها عند الولادة الجسمانية ، فعلها الحياة والحركة والظلم والغشم … ) الخ . فهذا التعريف من الإمام يدلنا على أن هذه الأشياء ليست مناط التكليف فهي تفعل الحركة والظلم وغيرها ، ولكن لو نظرنا إلى تعريف النفس الناطقة كما قال u ( قوة لاهوتية .. مقرها العلوم الحقيقة الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف ..) الخ. فالعقل هو مناط التكليف وليس غيره . وليس قولنا هذا يعني أن غير الإنسان غير مكلف ؛ لأنه لا يملك عقلا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb