طرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق:
أن النظر في الكون من الذرة إلى المجرة كلها تقود الإنسان إلى الله تعالى, فإذا نظرنا إلى الكون بنظرة واسعة و أخذنا مع تلك المعرفة معرفة أخرى لوصلنا في ظل ذلك، إلى عالم أفسح ملي بالقدرة و العلم و الكمال و الجمال. و على ذلك فكل المظاهر الطبيعية مع ما فيها من الجمال و الروعة و مع ما فيها من النُظم و السُنن آيات وجود بارئها و مكونها و منشئها، و عند ذلك يتجلى معنى هذا القول من أنَّ الطرق إلى معرفة الله بعدد الظواهر الطبيعية بدءاً بالذرة و انتهاء إلى المجرة. و لأجل ذلك نرى أنَّ رجال الوحي و دعاة التوحيد يركّزون في معرفته سبحانه على الدعوة إلى النظر في جمال الطبيعة و روعتها فإِنها أَصدق شاهد على أَنَّ لها صانعاً و مبدعاً، و هذا مشهود لمن طالع القرآن و تدبّر في آياته. ).
وأقصر هذه الطرق طريقان هما:
الطريق الأول: النظر في الآثار قال الإمام علي عليه السلام حين سئل عن إثبات الصانع فقال : ( البعرة تدل على البعير والروثة تدل على الحمير ، وآثار القدم تدل على المسير ، فهيكل علوي بهذه اللطافة ، ومركز سفلي بهذه الكثافة ، كيف لا يدلان على اللطيف الخبير ؟ ! )[1]. وفي دعاء عرفة للإمام الحسين (ع): (الهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليك منها كما دخل إليك منها..).
وعلى العموم، فهذا النوع من معرفة الله، الذي هو عبارة عن اقتفاء الأثر للوصول إلی المؤثّر، وبحث سرّ الخلق للوصول إلی الخالق هي معرفة إجمالية وليست مفصّلة. معرفة عن بعد ومن وراء حجاب، وليست عن قرب وبدون حجاب، وهي معرفة الضعفاء والعاجزين لا معرفة الرجال قويّي الإرادة وعالي الهمة.
هذه المعرفة، معرفة البعرة التي تدلّ علی البعير، والروثة تدلّ علی الحمير. أين هذا من المعرفة بعد مجاهدة طويلة وعذاب مرير طوال عمر مديد؟
وكذلك روي عن (جامع الاخبار): (سُئِلَ أَمِيرُ المُوْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَهِ عَلَيْهِ: مَا الدَّلِيلُ علی إثْبَاتِ الصَّانِعِ؟! قَالَ: ثَلاَثَةُ أَشْيَاءَ: تَحْوِيلُ الحَالِ، وَضَعْفُ الاَرْكَانِ، وَنَقْضُ الهِمَّةِ).
وفي (التوحيد) للصدوق …عن هشام بن سالم قال: (سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقِيلَ لَهُ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟! قَالَ: بِفَسْخِ العَزْمِ وَنَقْضِ الهَمِّ؛ عَزَمْتُ فَفَسَخَ عَزْمِي وَهَمَمْتُ فَنَقَضَ هَمِّي).
ومثل هذه المعرفة، وهي التي يطلق عليها في المنطق البرهان (الإنّيّ)؛ معرفة من المعلول إلی العلّة، من المخلوق إلی الخالق، ومن المصنوع إلی الصانع.
سُئِلَتْ عجوز: كيف عرفتِ الله؟ أجابت: من آلة النسيج هذه، فعندما أمسك مقبضها وأدوّره بهذا الدوران ينسج الحبل، وحيث أرفعُ يدي وأتوقف عن التدوير تتوقّف ويبقي الصوف والقطن علی حاله، عندها لا نسيج ينسج، ولا ليف يبرم.
من هنا أيقنت أنّ للأفلاك والنجوم والكواكب السيّارة والشمس والقمر والأرض ونظام الخلق بأجمعه خالقاً مقتدراً، متي شاء عطّل الوجود ورماه في هوّة العدم. وإن شاء أمدّه بأسباب الحياة وأدار عجلة استمراره.
ولهذا قيل: (وَعَلَيْكُمْ بِدِينِ العَجِائِزِ) ولكن مهما يكن من أمر، عليك أن لا تنسي بأنّك تملك إرادة، فإذا اقتصرت علی دين العجائز كان مصيرك الحزن والندامة في الحياة الدنيا، والحسرة والخذلان في الآخرة.
الطريق الثاني: معرفة النفس, قال رسول الله (ص) : (من عرف نفسه فقد عرف ربه) وقال الإمام علي (ع): (أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه), وهذا الطريق هو طريق أهل البيت عليهم السلام, وهو أقصر الطرق وأتمها .
وبدون هذين الطريقين لا تكون هناك معرفة ولا عرفان, ولا يمكن تحصل الكمال بغيرهما, ولا يمكن الاقتصار على واحد منهما. والأول هو ما يسمى بـ(العرفان العلمي أو النظري) والثاني هو (العرفان العملي أو السلوك).
وذلك لأن الإنسان –كما ذكرنا- كائن عجيب مكون من ظاهر وباطن وحقيقة ، وبهذا الاعتبار له ثلاث نشئات وثلاث عوالم: نشأة ظاهرية ملكية ناسوتية دنيوية هي بدنه، ونشأة باطنية غيبية ملكوتية تكون من عالم آخر،ونشأة واقعية ملكية ملكوتية وهي قيوميته بمقام الواحدية المثلية (عبدي أطعني تكن مثلي…) .
عندما يلجأ إلى الفكر والبرهان في طلب الحق سبحانه وسيره إلى الله, يكون سيره عقلياً وعلمياً, ولا يكون من نوع سير أهل السلوك وأرباب العرفان, لأنه قد سقط في الحجاب الأكبر والأعظم, من دون فرق بين أن ينظر إلى الأشياء من ماهياتها, والتي تعتبر الحجب الظلمانية, ويبحث عن الحق المتعالي من خلالها أو ينظر إلى الأشياء من خلال وجوداتها التي تكون حجباً نورانية .
إن الشرط الأول في السير إلى الله, هو الخروج من البيت المظلم للنفس والذات والأنانية. فكما أن الإنسان في السفر الخارجي العيني المحسوس, لا يكون مسافراً ما دام هو في مكانه وبيته رغم تخيّله السفر وتحدثه عن كونه مسافراً, بل لا بد من ترك المكان ومغادرة البيت حتى يقال أنه مسافر, وكما أن السفر الشرعي لا يتحقق إلا بعد مغادرة البلد واختفاء آثاره, فكذلك لا يتحقق هذا السفر العرفاني إلى الله, والهجرة الشهودية إلا بعد التخلي عن البيت المظلم للنفس واختفاء آثارها ومعالمها, لأنه ما دامت آثار التعينات مشهودة وأصوات الكثرات مسموعة, لا يكون الإنسان مسافراً, بل انه تخيل السفر وادّعى السير والسلوك قال الله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} سورة النساء /100.
فبعد أن يغادر السالك إلى الله بخطوات ترويض النفس والتقوى الكاملة, بيت النفس, ولم يصطحب معه في هذا الخروج ا
























